كان المساء شديد العتمة … يمتد بوشاح مطرز بالحنين ليحُدّ من امتداد أضواء الشوارع ..
العتمة تندف كالثلج و تملأ الكراسي .. الأرصفة ..و أعقاب السجائر المرمية .. و الوقت ..
كل شيء يعود الى كل شيء … و روائح الياسمين على جدران الحارة المتعبة ترحل نحو العدم
أشمها بقوة و يهتز قلبي .. ولا رائحة الا في الدماغ لها … ذكرى فقط ..
هو يلتمس بيديه الجدران و يهتز قلبه أيضاً .. ولا ماضي ولا جذور … الا العفونة …
للياسمين طبعه الحزين الخاص .. فعندما تحزن المدينة .. يهتز قلبه أيضاً .. و يختفي عطره ..
و للجدران الاحساس نفسه .. و للخطوات القليلة الحزينة .. التربص ذاته ... و للوقت ذاكرته و وحدته ..
القهوة على النار تغلي و تنسكب … هو ينظر الى الصورة المعلقة على الحائط بشريطها الأسود
و تدمع عيناه … و يدمع قلبه .. و القهوة ..
عمال التنظيف يشرعون في عملهم كعادتهم كل مساء …. ترتيب واضح لحزن يومي في كل نظرة يلقونها نحو الشارع … ينهون عملهم و يعودون بشاحنة غبارها كثيف ..
بعض المحلات تغلق مساء .. و بعضها الآخر يُتابع صحوات الشتاء الليلية حتى نهايتها ... يصفق لكل مشهد و ينحني و يبكي أيضاً ..
في المساء لا وجود لأطفال يلعبون بالحبال و يطلقون نيرانهم الوهمية … في المساء يستطيع الهواء أن ينفض عنه موجات ضحكاتهم العنيفة …
الصمت ولا شيء سواه ... يمتد باستعراض ضخم هذه الليلة .. على نظرتك العميقة الى السماء
على حبل الغسيل المبلل .. على شرفات البيوت النائمة و المستيقظة … على أحذية المارة القليلة ... و على السعادة المشردة ..
على نظرتك الى الأرض … الى الضوء الخافت … الى السهريات العالقة .. الى الأشياء القابلة للاشتعال .. و كأنك تبحث …
الليل لا يشبه النهار .. لا يشبهنا النهار .. ولا نشبه بعضنا ... ولا نشبه ظلالنا … ولا نشبه أحلامنا .. ولا تشبهنا حياتنا …
يساعدك بعض الحزن المخبأ جانباً على التفكير .. يجعلك تقف على الأجمل و الأسوء في ذاتك .. و في ذات اللحظة … يُمكن لأغنية جانبية في أحد المحلات أن تدفعك للبكاء .. يمكن لمشهد تراه أن يثير فيك ما يثير ... يمكن لنظرة حب خاطفة أن تشعرك بالرضا … و أنت تبحث ...
لم يعد هناك بياعو علكة في الشوارع … الساعة التاسعة … الولد الذي يبيع العلكة في باصات النقل الداخلي صباحاً .. يتجول مساء بورود قرنفل حمراء … انه يبحث ..
العشاق يهمون في مغادرة المقاهي .. يتعانقون .. و يرحلون ..
الكتب التي تزين واجهات المكتبات مع عروض منافسة ... تجذب اليها بعض الأنظار ..
الألبومات الجديدة … ل ” هبة طوجي ” و ” تانيا صالح ” مع كلمة ” جديد ” في البدء …
ماذا عن القديم ؟ ..فيروز ” قديم ” ...
تحضرني في هذا الوقت أغانيها … و وردة حمراء اشتريتها منذ قليل .. و الولد ..
لا أدري ان كان للورد رمز في الحب أو دلالة واضحة عنه .. ماذا يعني أن يهديك أحدهم هذا الورد و ماذا يعني أن تشتريه لنفسك أنت ؟
الحب دلالة ...على وجود ..
الحب حالة انتظار و حالة احتضار و حالة حياة و حالة روح …
تركيب غريب غرابة التحاقنا به كالمعجبين المهللين … و أحياناً كالباحثين الضالين ..
بيد أنه لم يخترع أحدهم طريقاً … ولم يقم بحفر سلسلة .. ولم يكتب دليلاً … هناك من يتغنى بالحالات الموجودة … و ليس هناك من يتغنى بالفقدان … الفقدان حالة أيضاً ..
كل ما نفقده دون إرادة يتشبث فينا رغماً عنا … لا ننسى شيئاً نود نسيانه … الذاكرة معادلة صعبة ..و النسيان نعمة لا نملكها جميعاً …
هو يمسك بيدها ... يشعر بنعومتها .. إنها الأجمل في عينيه … إنها الأمثل و الأكمل … إنها الحياة .. تستطيع أن تلتمس ذلك من عينيه .. و من عينيه هو فقط يخرج كل هذا النور .. كل هذا التوحد .. على حافة رصيف يملكان كل شيء …
على أن كل شيء صواب .. على ان كل شيء جميل ... على أن أرض العدل واسعة … على أن للسعادة طيفها اللامع … على أن للحب وجود …
هذا المساء .. في هذه المدينة .. حزنه لا يضاهيه حزن .. لا سعادة … لا حب .. لا وجود ..
الهواء مليء بإشارات الناقص .. الهواء يرزح إلى العدم أيضاً … ولا
متنفس آخر لنا هنا ..
يحضرني مزيج عن قيم الجمال و الحب و السعادة و الخير ... تحضرني عدة فلسفات … ولا شيء ينطبق هنا … لا شيء يمكن أن تقتنع به ... القيم كلها ... تضمحل نحو العدم ..
في عينيه نظرة حب كبير .. و في يديه رجفة خجل … و في كلامه انشطار لهما … الحالة تجعل حالة أخرى محكومة بالخيبة .. و ما قبل النهاية .. روح حائرة بين سديمين .. روح تائهة بين وجود أو لا وجود … روح راغبة ولا رغبات يُستجاب لها …
لا غيم هذا المساء من سُكر .. ولا حب هذا المساء … ولا رغبة بحب …
حلا*